مرت ساعة على خروجي من الجامعة وقد وصلت للتو إلى حيث أنتظر وسيلة المواصلات الثالثة والأخيرة التي ستقلني أخيراً إلى المنزل بعد هذا اليوم الشاق كعادته. وإذ بي أقف والشمس تغرب ويشتد الزحام وأنا أنتظر ذلك الـ"ميني باص" اللعين الذي يتعطف عليّ كل حين. أقف منتظراً "الفرج" متأففاً غاضباً أستعجل رزقي وأفكر أن أستقل "تاكسي" (وأريح دماغي). وبعد حوالي ما يقرب على ثلث الساعة فوجئت برجل معمم كفيف ينزل من "ميكروباص" وبالكاد يسنده أحد الركاب ليقف على الرصيف ثم يتركه منصرفاً. راقبته من بعيد وأكملت رحلة البحث عن الـ"ميني باص". نظرت إلى الرجل من بعيد فوجدته يقف في نفس مكانه ويشير بيده لوسيلة مواصلات أخرى. ذهبت إليه على الفور وقلت له من دون أية مقدمات: حضرتك عايز تروح فين؟، ففاجئني برده الجميل قائلاً: أولاً السلام عليكم ورحمة الله، رددت عليه السلام، ثم قال ثانياً أشكرك على هذه الروح الطيبة. هكذا بالعربية الفصحى. بصراحة ولا أخفيكم سراً يعلم الله أني أحب الأزاهرة جداً ويزداد حبي لمن يتحدث الفصحى منهم. وبعد أن سلم عليّ وشكرني أخبرني عن المكان الذي يريد الذهاب إليه بدقة ما شاء الله لا قوة إلا بالله وصادف أني أعلم ما يريده بالضبط والحمد لله. أخبرته أن لا وسيلة للمكان المراد إلا الـ"تاكسي" فأبدا موافقته. أخذت بإحدى يديه لأذهب به إلى حيث يستقل الـ"تاكسي". أخذ هو يتجاذب معي أطراف الحديث، فوجدته متمعاً بقدر كبير من فن التواصل والذكاء الاجتماعي. كان أزهرياً كفيفاً، ولكن لم يمنعه ذلك أن يكون مثقفاً منفتحاً ذا ذاكرة قوية وروح دعابة. أخذ يسألني عن اسمي وسكني ودراستي بشكل غير مبالغ فيه أو فضولي. أول ما علم أني طالب بكلية الهندسة قال لي جملة كاملة بالإنجليزية المتقنة وليست من قبيل "إنجليزي ده يا مرسي؟". كانت الثواني المعدودة التي قضيتها معه وهو يتجاذب معي أطراف الحديث تتعدى بالنسبة لي كونها ثوانٍ معدودة، بالرغم من أني كنت جافاً معه بعض الشيء أو بمعنىً آخر متبعاً لقاعدة "كلمة ورد غطاها" مع أن ذلك ليس من طبيعتي، ولكن قد أعتذر إلى أني قد كنت مهتماً أن أوصله إلى حيث يريد. هذا الكفيف أثر فيّ بشكل مبالغ فيه، ومن أكثر الأشياء التي لفتت نظري مع هذا الشخص الطيب عدة أشياء:
- بدايته بالسلام والشكر على الروح الطيبة، بالرغم أني أرى أنه واجب عليّ وليس تفضلاً أشكر عليه.
- ثقافته وروحه المرحة وذاكرته القوية، رغم عمى بصره.
- غير متكلف وأيضاً غير خجول من ظروفه تلك.
- عدم تحرجه من تعريفه بنفسه وسؤاله عني.
- دعاؤه لي.
بعد أن اطمئننت أنه استقل الـ"تاكسي" كنت في البداية أظنه يحتاج مالاً، فانتظرت إلى أن يلمح لي، ولكني وجدته أبعد ما يكون عن ذلك. استقل الـ"تاكسي" وانصرف. سعدت جداً بذلك اللقاء السريع وودت أنه طال أكثر من ذلك. عدت إلى حيث كنت مجدداً عائداً إلى أبعادي التي كنت فيها وهمّي الذي كان يهمني من جديد. أحسست أني قد خرجت من دنيانا هذه إلى دنيا مختلفة ذات أبعاد مختلفة لزيارة خاطفة ثم عدت من جديد، كأني قد ذهبت إلى جنة من جنان الدنيا لزيارة خاطفة ثم رجعت إلى الهم ثانيةً، ولكني أول ما عدت إلى حيث كنت تذكرت الـ"ميني باص" اللعين الذي أنتظره بفارغ الصبر. انشرح صدري وقلت في قرارة نفسي: الآن فقط سأجد ما أطلب. وسبحان الله ما أن انتهيت من الكلمة إلا ووجدت سيارتين اثنين من نفس الـ"ميني باص" الذي أنتظره. ابتسمت وقلت سبحانك يا رب حين قلت: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}.
الثلاثاء 20/3/2012
منشور في صحيفة خطوة الورقية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق