أنت الزائر رقم

Follow me on Twitter

Follow Ahmed_Mostafa on Twitter

الأربعاء، 21 مارس 2012

فإنها لا تعمى الأبصار

مرت ساعة على خروجي من الجامعة وقد وصلت للتو إلى حيث أنتظر وسيلة المواصلات الثالثة والأخيرة التي ستقلني أخيراً إلى المنزل بعد هذا اليوم الشاق كعادته. وإذ بي أقف والشمس تغرب ويشتد الزحام وأنا أنتظر ذلك الـ"ميني باص" اللعين الذي يتعطف عليّ كل حين. أقف منتظراً "الفرج" متأففاً غاضباً أستعجل رزقي وأفكر أن أستقل "تاكسي" (وأريح دماغي). وبعد حوالي ما يقرب على ثلث الساعة فوجئت برجل معمم كفيف ينزل من "ميكروباص" وبالكاد يسنده أحد الركاب ليقف على الرصيف ثم يتركه منصرفاً. راقبته من بعيد وأكملت رحلة البحث عن الـ"ميني باص". نظرت إلى الرجل من بعيد فوجدته يقف في نفس مكانه ويشير بيده لوسيلة مواصلات أخرى. ذهبت إليه على الفور وقلت له من دون أية مقدمات: حضرتك عايز تروح فين؟، ففاجئني برده الجميل قائلاً: أولاً السلام عليكم ورحمة الله، رددت عليه السلام، ثم قال ثانياً أشكرك على هذه الروح الطيبة. هكذا بالعربية الفصحى. بصراحة ولا أخفيكم سراً يعلم الله أني أحب الأزاهرة جداً ويزداد حبي لمن يتحدث الفصحى منهم. وبعد أن سلم عليّ وشكرني أخبرني عن المكان الذي يريد الذهاب إليه بدقة ما شاء الله لا قوة إلا بالله وصادف أني أعلم ما يريده بالضبط والحمد لله. أخبرته أن لا وسيلة للمكان المراد إلا الـ"تاكسي" فأبدا موافقته. أخذت بإحدى يديه لأذهب به إلى حيث يستقل الـ"تاكسي". أخذ هو يتجاذب معي أطراف الحديث، فوجدته متمعاً بقدر كبير من فن التواصل والذكاء الاجتماعي. كان أزهرياً كفيفاً، ولكن لم يمنعه ذلك أن يكون مثقفاً منفتحاً ذا ذاكرة قوية وروح دعابة. أخذ يسألني عن اسمي وسكني ودراستي بشكل غير مبالغ فيه أو فضولي. أول ما علم أني طالب بكلية الهندسة قال لي جملة كاملة بالإنجليزية المتقنة وليست من قبيل "إنجليزي ده يا مرسي؟". كانت الثواني المعدودة التي قضيتها معه وهو يتجاذب معي أطراف الحديث تتعدى بالنسبة لي كونها ثوانٍ معدودة، بالرغم من أني كنت جافاً معه بعض الشيء أو بمعنىً آخر متبعاً لقاعدة "كلمة ورد غطاها" مع أن ذلك ليس من طبيعتي، ولكن قد أعتذر إلى أني قد كنت مهتماً أن أوصله إلى حيث يريد. هذا الكفيف أثر فيّ بشكل مبالغ فيه، ومن أكثر الأشياء التي لفتت نظري مع هذا الشخص الطيب عدة أشياء:
  • بدايته بالسلام والشكر على الروح الطيبة، بالرغم أني أرى أنه واجب عليّ وليس تفضلاً أشكر عليه.
  • ثقافته وروحه المرحة وذاكرته القوية، رغم عمى بصره.
  • غير متكلف وأيضاً غير خجول من ظروفه تلك.
  • عدم تحرجه من تعريفه بنفسه وسؤاله عني.
  • دعاؤه لي.

بعد أن اطمئننت أنه استقل الـ"تاكسي" كنت في البداية أظنه يحتاج مالاً، فانتظرت إلى أن يلمح لي، ولكني وجدته أبعد ما يكون عن ذلك. استقل الـ"تاكسي" وانصرف. سعدت جداً بذلك اللقاء السريع وودت أنه طال أكثر من ذلك. عدت إلى حيث كنت مجدداً عائداً إلى أبعادي التي كنت فيها وهمّي الذي كان يهمني من جديد. أحسست أني قد خرجت من دنيانا هذه إلى دنيا مختلفة ذات أبعاد مختلفة لزيارة خاطفة ثم عدت من جديد، كأني قد ذهبت إلى جنة من جنان الدنيا لزيارة خاطفة ثم رجعت إلى الهم ثانيةً، ولكني أول ما عدت إلى حيث كنت تذكرت الـ"ميني باص" اللعين الذي أنتظره بفارغ الصبر. انشرح صدري وقلت في قرارة نفسي: الآن فقط سأجد ما أطلب. وسبحان الله ما أن انتهيت من الكلمة إلا ووجدت سيارتين اثنين من نفس الـ"ميني باص" الذي أنتظره. ابتسمت وقلت سبحانك يا رب حين قلت: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}.

الثلاثاء 20/3/2012
منشور في صحيفة خطوة الورقية

الجمعة، 9 مارس 2012

الثورة ومرحلة الـ"لا شيء"!!




ثار المصريون ضد نظام بوليسي فاسد وتحملوا من أجل ذلك التعب والنصب. لم يهابوا السجون والمعتقلات، ولم تخفهم الطلقات ولا قنابل الغاز. مكثوا طيلة ثمانية عشر يوماً وكأنهم في حرب وليس ثورة: المعتصم منهم في الميدان يتوقع موته غدراً في أي لحظة، والمرابط أمام بيته في اللجان الشعبية يتخيل كل لحظة أنها ستجلب له بلطجياً أو لصاً يقتحم عليه أمن بيته، وجندي الجيش الذي يعسكر في دبابته لا يعلم هل سيعود إلى معسكره مجدداً أم لا، ومن هو ليس من هذا أو ذلك أو ذاك ممن نزحوا خارج البلاد كالفارّين من حرب ضروس. نعم هذا كان ملخص ثمانية عشر يوماً استشهد فيها من استشهد وأصيب فيها من أصيب، لكن المشكلة تكمن في أن الذين قتلوا غدراً ما كانوا ليظنوا أنهم قد قتلوا في سبيل أن يكون الحال البديل هو ما نعيشه الآن؛ فما قد طالبنا به في طليعة الثورة من "عيش – حرية – عدالة إجتماعية" لم نحصل على شيء منه إلى الآن، بل تدهور الوضع أكثر مما عهدناه. المجلس العسكري أيها المصريون الذي سمحنا له بتسلّم السلطة مؤقتاً قد خدعنا وخذلنا ومن بعده البرلمان المنبطح. بعد أن سلمنا للمجلس العسكري "ذقوننا" ووثقنا به وأمناه على أعز ما نملك كمواطنين أي السلطة انقض عليها وتعامل معها على أساس أنها حقاً مكتسباً وأصبح حالنا كـ "انت بتقول كرامة وهما يردوا بمهانة، انت بتقول العدل بيقولوا عنك ندل"؛ فبعد ما كنا نقول: "الجيش والشعب ايد واحدة" أصبحنا نرى جندياً مصرياً يقتل مواطناً مصرياً وعاد الدم المصري زهيد الثمن مجدداً إن كان له ثمناً من الأصل. ثم جاء البرلمان الذي علق عليه الجميع آماله، ثم "لا شيء". سمعنا كلماتٍ رنانةً قبل ذلك بدايةً من تعظيم الفنجري لدماء الشهداء ومروراً بوعد تسليم السلطة بانتهاء 2011، ثم.....، ثم بأحداث ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء ومجزرة بورسعيد، ثم المعونة الأمريكية مصحوباً بـ"الضحك على الذقون" من خلال مبادرة الأزهر تارة والشو الإعلامي تارةً أخرى ثم أيضاً "لا شيء". في الوقت ذاته يناضل البرلمان الموقر الذي انتخب بالكاد بعد دماء وأشلاء عدة من أجل نقل مبارك إلى مستشفى طرة ثم أيضاً "لا شيء"!!!

الغريب في الأمر أن مصر قد حدث فيها ثورة من سنة انحنت لها الدول الكبرى قبل الصغرى وأشادوا بها في المحافل الدولية وفضلاً عن ذلك اُنتخب فيها برلمان شهد له القاصي والداني نزاهة انتخابه ثم بكل بساطة بعد ما تم اعتقال بعض المتهمين على خلفية قضية تمويل أمريكي يتم تنحية المحكمة المختصة بمحاكمتهم ثم رفع حظر سفرهم ليسافروا إلى بلادهم بكل أريحية وتلقائية والكل ينظر ويصفق ثم أيضاً "لا شيء"!!!

يتضح لي أن الثورة تحتاج أصلاً إلى ثورة، وأننا كنا مخطئين أشد الخطأ عندما تركنا السلطة إلى عسكر مبارك فريسة سهلة ميسورة دون أدنى جهد منهم.

ويسقط يسقط حكم العسكر

تحريراً في 2/3/2012م

تم نشر المقال في صحيفة خطوة الورقية

السبت، 26 نوفمبر 2011

الميدان تحت خط النار


تم الحشد على مدار أسبوعين كاملين لمليونية المطلب الوحيد جمعة 18 نوفمبر المطالبة بإجراء انتخابات الرئاسة بموعد أقصاه نهاية أبريل 2012، وقد تمت هذه المليونية على وجه منظم ومحترم، وبالإجمال كانت جمعة موفقة بفضل من الله. انتهت أحداث اليوم بكلمة الأستاذ حازم صلاح أبو إسماعيل، المرشح المحتمل لانتخابات الرئاسة، وتم فيها الاتفاق بأغلبية المتواجدين على عدم الاعتصام إلا بعد الانتهاء من المرحلة الأولى لانتخابات مجلس الشعب على الأقل. هذا ما عشته وشهدته والله على ما أقول شهيد. وبصراحة كان قلبي مع الاعتصام وعقلي مع تعليقه، ولكن هذا لا يهم بالنسبة إليّ مادام رأي الأغلبية ذهب إلى تعليق الاعتصام؛ فمن مبادئ الديمقراطية ومن أساسيات الشورى ومن قواعد الإدارة أن رأي الأغلبية يسري حتى على الأقلية مادام في غير معصية ولا يضر بحقوقهم. انتهى اليوم وذهب من ذهب وأبى من أبى، ثم أصبحنا في اليوم التالي على حادث فض اعتصام حوالي 50 شخصاً من "صينية" الميدان بالقوة أغلبهم من مصابي الثورة وذويهم، بل ونتج عن ذلك معارك ودماء وأشلاء ولا حول ولا قوة إلا بالله. ظلت أصوات "الخرطوش"، ورائحة الغازات المسيلة للدموع، ولون الدماء السائلة تشهد على معركة وليس تعاملاً أمنياً أبداً. وبدأت ألفاظ غريبة تساق عبر وسائل الإعلام مثل "هدنة"- "إطلاق نار"- "وساطة"، ثم يطلع علينا الجنرالات مهرولين إلى قنوات الإعلام الرسمي موضحين الموقف وكأن الميدان قد تحول إلى جبهة قتال، وكأن الأمر أصبح تحديداً لمصيرٍ استراتيجي للبلاد. أظن أن هذا ما رأيناه وسمعناه جميعاً. وبغض النظر عن تحليل الموقف الذي لست أهلاً له، فلست ممن يلقي البيان المفصل الذي سينتهي إلى إباحة المشاركة في التظاهر أم لا، ولكني سوف أطرح بعض ومضات بسبب هذا الحادث لعلنا نستفيد منها حاضراً أو مستقبلاً بإذن الله.

  • غلّب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة: فما أفسد الأعمال أكثر ما أفسد دخول الأهواء وحظوظ النفس إلى القلوب.
  • التخوين آفة الاجتهاد: إياك إن اجتهدت في رأي أن تخوّن مخالفيك في رأيك، فإن لم يخرق التخوين وحدة الصف فماذا إذن؟ وتظاهر بدون توافق وسط تخوين للمخالفين لا معنى له وسيفرغ من مضمونه لا محالة.
  • كن ثائراً حذراً: عندما انتفضنا وثرنا بدايةً يوم 25 يناير كنا نجمع في نفوسنا بين الثورة والبراءة، فكانت بالنسبة لجيلنا هذه أول تجربة نخوضها بشكل قوي وشرس مع النظام السابق. وأما الآن فالأمر اختلف، ولابد وأن تختلف معه طريقة التفكير. الملعب الثوري الآن بعد 9 أشهر قد حُشد له بشكل مقصود و غير مقصود لمنافسين جدد.
  • لا تنازل عن تسليم السلطة كاملةً للمدنيين: أظن أن من المسلّم به أن ما قامت تلك الثورة وما مات شهداؤها من أجل أن نطيح بنظام مستبد لنأتي بنظام أكثر استبداداً أعني الحكم العسكري. فأستحلفك بالله لا تكن سلبياً وتقول "وأنا مالي". وتسليم السلطة للمدنيين هو في أصله تسليمهم مجلس شعب منتخب ورئيس منتخب أيضاً. إياك أن تفرط في أيهما من فضلك.
  • التوافق هو الحل: في فترة عصيبة كفترتنا لا توجد أي جهة منتخبة في البلد إلا بعض الجامعات، فلابد ومن الضروري بل ومن الواجب أن تُتخذ أفعالنا وتحركاتنا وقراراتنا بشكل توافقي، أي تتفق عليه الأغلبية، ثم تلتزم به الأغلبية والأقلية؛ حتى لا تحدث أي انشقاقات أو اختراقات للصف الثوري. فلا يمكن أن يكون الميدان مختَرَقاً صفه بشكل معيب أبداً.
حفظ الله مصر وأهلها وثورتها وحفظها من كل الحاقدين... ودمتم أحراراً
25/11/2011

الخميس، 10 نوفمبر 2011

ما بين المسجد والأضحية وجدتي (1/3)


 اعتدت منذ فترة طويلة على تدوين خواطري ولا أخفيكم سراً أني أشعر بسعادة بالغة عندما أكتب عن خواطري أو أقرأ خواطر غيري، أشعر وقتها وكأن في زحام الدنيا وصخب الأحداث مازال هناك بصيصٌ من إنسانية يظهر في الأفق. وبعد انقطاع طال جالت برأسي بعض الخواطر في عطلة عيد الأضحى المبارك أدونها هنا حسب ترتيبها الزمني؛ لعل الله ينفع بها.
  • المسجد
كعادتي منذ وُجدت على هذا الكوكب وأنا أقضي أغلب عطلات العيد مع أسرتي في مسقط رأسي بالإسكندرية. وليوم عرفة مذاقٌ آخر هنالك، فمعظم الناس صائمون لله تعالى في هذا اليوم، وأراه أشبه بآخر يوم في رمضان. منّ الله عليّ ومكثت في مسجد "نور الإسلام" على عادتي منذ صغري ثم قارب اليوم على الانتهاء وأوشك الليل أن يدخل، والكل في المسجد ما بين راجٍ وخائفٍ. الكل ما بين مسترجعٍ لذكرى آخر دقائق من شهر رمضان السابق، وبين متحسرٍعلى نفرة الحجيج إلى المزدلفة التي لم يشهدها هذا العام. شعورٌ يجمع ما بين خوف ورجاء. وبين ذلك الشعور المختلط وتلك المشاعر الفياضة إذ بأحد الصبيان يأتي إليّ مبتسماً معطياً إيايّ بعض تمرات لأفطر عليها وآخذها منه سعيداً شاكراً إياه، ثم تنهال عليّ من كرامات وعطاءات الله كلٌّ حسب ما تيسر له من مأكل ومشرب، وأجدني بين الشباب هناك وكأني الله واحداً منهم. وبعدما انطلق أذان المغرب وحتى الصلاة أسبّح الله متعجباً من كثرة ألوان ما أفطرت به بعد أن كنت ذاهباً إلى المسجد لا أدري علام سأفطر، وأقول سبحان الله هذا حالي وأنا غريبٌ بينهم!! وبغض النظر عن بساطة ما أفطرت عليه يومها إلا أني كنت في قمة السعادة؛ لأني بدأت أتفاءل خيراً في هذه الأمة من جديد بعد أن عرف اليأس طريقه إلى نفسي والحمد لله رب العالمين.

الخميس، 13 أكتوبر 2011

أزمة ماسبيرو وحتمية المواجهة



في نفس الليلة وفي النفس التوقيت تقريباً فاجأتنا أحداث اشتباكات سفارة إسرائيل ليلة التاسع من سبتمبر. لم تلبث الأحداث أن تهدأ أكثر من شهر واحد بالتمام والكمال حتى أخرج لنا الزمان شيئاً جديداً من جُعبته. إنها أحداث ماسبيرو الأخيرة. وبالرغم من كآبة المشهد وضبابية الرؤية وتحير الموقف خصوصاً وأني أخشى من التشاؤم بعد ذلك باليوم التاسع من كل شهر إلا أني أرى بعين اليقين خيراً مختبئاً بين طيات ذلك الشر الكبير؛ فقد قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة:216)، وبعين الواقع والمستقبل أرى أن تلك الأحداث قد تعيد حماس الثورة إلى نفوسنا من جديد، وصياغة الأمور في عقولنا مرةً أخرى. فهناك قاعدة ثابتة وسنة ربانية في خلقه تقرُّ أساساً بأن {الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ} (يونس:35)، وقال تعالى: {وَيَمْحَقُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} (الشورى:24). فالحق حق ولو بعد حين، ولا يمكن أن تكون للباطل شرعية بالتقادم أبداً. وإذا أعدنا وأمعنّا التظر في أحداث التاسع من سبتمبر وأكتوبر السابقة لوجدنا أن هناك معطىً مشتركاً تسبب في تلك الأحداث ألا وهو عدم المواجهة. إن عدم مواجهة السلطة الحاكمة في مصر (المجلس العسكري/الحكومة) لأزمة قتل الجنود المصريين على حدود سيناء ولو حتى برد صوري هو ما أشعل لهيب كثير من المصريين لعدة ايام متعددة حتى أُفرغ في ليلة التاسع من سبتمبر في شكل اشتباكات شاهدها الجميع. وإن عدم المواجهة لملف الفتنة الطائفية بأوراقه المتعددة بدايةً من كنيسة أطفيح وانتهاءً بكنيسة إمبابة والاكتفاء بالتهدئة وإعادة بناء الكنائس فحسب لهو أيضاً ما أشعل لهيب كثير من الأقباط حتى أُفرغ في ليلة التاسع من أكتوبر في الاشتباكات الدامية الأخيرة. وبغض النظر عن تحليل الموقف الذي لا يسمح المجال لسرده الآن إلا أني أظن أن لا أحد ينكر أن هناك أيادٍ كثيرة تعبث بأمن مصر واستقرارها ثم اقتصادها كما يلعب الطفل بقطعة الصلصال يشكلها كيف شاء. فإذا جمعنا هذين المعطيين مع بعضهما البعض (عدم المواجهة مع وجود من يعبث بأمن مصر) لعرفنا مدى الخطر الذي يهددنا خصوصاً ونحن مقبلون –على الأقل نظرياً- على مرحلة الانتخابات التشريعية. وأقولها صراحةً إذا بقي المشهد الداخلي كما هو حتى وقت الانتخابات الششريعية أخشى أن نرى ونعيش كارثة جديدة مثل ما رأينا سابقاً بل أكبر خطراً وحجماً. لذا يتحتم علينا في تلك الفترة العصيبة أن نمتثل لأمر الله تعالى حين قال: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} (آل عمران:103)، ونهيه حين قال: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال:46). وليتذكر كل منا تلك الأيام الثماني عشر العصيبة التي ما تفرقنا فيها البتة. {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } (غافر:44). حفظ الله مصر وأهلها وثورتها من كل مكرٍ وسوء. والسلام ختام.
11/10/2011

السبت، 10 سبتمبر 2011

السفارة في العمارة: قليلٌ من الحكمة أثابكم الله


((مع تأييدي للمشاركة في جمعة اليوم قولاً وفعلاً فإني أرى أنها سبيل لا مفر منه وحل ليس هناك غيره للتعبيرعن غضب الجماهير عما يجري في مصر من سلوكيات للمجلس العسكري تلّخص لتراجع وارتداد ظاهرين بيِّنَيْن عما اتجهت إليه البلاد بفعل الثورة. لذا أرى أنه من الواجب أن تكون جمعة اليوم حاشدة توافقية من الدرجة الأولى وأن تكون خالية تماماً مما يشيب وحدتها وتماسكها وسلميتها، ولكني أرى في الوقت نفسه أن المجلس العسكري سيتعامل معها بدون أي قرار مصيري في صالح البلاد. وليس على المرء إلا السعي، والله من وراء القصد)). هذا ما كتبته على حسابي على فيسبوك فجر جمعة تصحيح المسار بتاريخ 9/9/2011. والذي كتبته هذا ما كان إلا نابعاً من قناعتي الشخصية بأهمية وقفة شعبية واتحاد ثوري أمام ما يحدث في البلاد، ولكن مع عدم جدوى هذا فعلياً في ظني الشخصي. ويعلم الله أني قد أعددت العدة للمشاركة في المليونية، ولكن حبسني العذر. تطور الأمر وتعقدت الأحداث وبعد أن كانت مليونية لعرض المطالب وإبداء الغضب الجماهيري انطلقت المسيرات إلى وزارة الداخلية مرة وإلى السفارة الصهيونية أخرى، وهذا في رأيي خروج عن النص وعلى الجماعة، وهذا فيما أرى يضر ولا ينفع المليونية؛ فكما قلت قبل بداية المليونية أنه من الواجب أن تكون خالية تماماً مما يشيب وحدتها وتماسكها وسلميتها، فكما ظهر قبل ذلك أن عدم وحدة الصف وكذا المطالب أصبح ذريعة وحجة لأعداء الثورة، بل ويجعل المليونية في صف المجلس العسكري وليس في صف الثوار. تطور الأمر شيئاً فشيئاً حتى وصل إلى الاعتداء على مبنى مديرية أمن الجيزة وبعض ممتلكاتها بل وحرْق مخزن الأدلة الجنائية الملحق بها ثم اقتحام أرشيف السفارة الصهيونية وتحطيم جزء كبير من الجدار العازل أمامها وبالتالي اشتباكات مع قوات الأمن المركزي. وبدون أيّ تخوين لأحدٍ كان من كان فذلك كله في رأيي رد فعل عاطفي ليس إلا بعيد تمام البعد عن أي تعقل أو حكمة، ولن أقول تدبير داخلي أو خارجي وإنما سأفترض حسن النية للكل، ولكن ما حدث قد يفتح الثغرة أمام المخربين ومثيري الفوضى وتهديد أمننا الداخلي الهش. ثم بالله عليك أيها القارئ وأيتها القارئة ما الذي يجعل شخصاً خائفاً على بلده أن يشعل النار في الممتلكات التي يمولها هو وبقية إخوانه من الشعب من ضرائب دخولهم؟ ومن ذا الذي يهمه أن تحرق الأحراز والأدلة الجنائية لدى الداخلية؟ بل ومن الذي من مصلحته أن يبقى الأمن الداخلي المصري هشاً كحالته الآن مهما اختلفنا مع الشرطة ومهما كانت جرائمها؟ كل هذه التساؤلات لابد لها من تفكيرعميق وإجابات صائبة ودعوات مخلصة. أعلم وبشدة أن لتلك الأحداث المتواترة كثيرُ إجابيات، ولكني هنا أقصد معنىً عميقاً ألا وهو أننا يجب أن نحافظ على ثورتنا بتوازننا بين عقولنا وقلوبنا، بين التفكير الدقيق والمشاعر الجياشة؛ لأن هذه المرحلة الانتقالية التي نحياها لهي من أخطر المراحل في أعمار الأمم، وأخشى أن يأتي اليوم الذي لا ننتهي فيه من هذا الحكم العسكري بسبب عشوائية اتباعنا لمشاعرنا وعواطفنا... قليلٌ من الحكمة أثابكم الله!!!


هذا، وأود أن أختم كلامي قائلاً أن ما كتبته أعلاه إنما هو رأي شخصي يحتمل الصواب أو الخطأ يعبر عن قناعة لا أفرضها على أحد ولكني أعرضها لعلها توافق الحق، وإن ثبت عكس ما كتبته فسأكون أول المتبرئين منه سراً وعلانيةً. حفظ الله مصر وأهلها وبصرنا بالحق حتى نلقاه. وإلى لقاء آخر في كتابات جديدة إن شاء الله :)
 السبت 10/9/2011

الاثنين، 1 أغسطس 2011

دخل الشهر وقضي الأمر


انطلق أذان المغرب معلناً بداية أول ليلة من ليالي رمضان، رُفعت الأقلام وجفت الصحف. نضع الآن أيدينا على قلوبنا ونقول: ((اللهم سلم سلم، اللهم لا تحرمنا أجر هذا الشهر الكريم)). قضي الأمر الذي فيه تستفتيان، ولكن لا تخف يا صديقي فلا حرج على فضل الله أبداً. إن لم تكن استعددت جيداً فلا تيأس؛ فسنحاول جاهدين بكل ما أوتينا من قوة وهبنا الله إياها أن نستعين بالله على أنفسنا من الآن، فليست العبرة بمن سبق ولكن العبرة بمن صدق. أخي الكريم أمامك الآن ليلة هي من أغلى الليالي فيقول صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان أول ليلة من شهر رمضان: صفدت الشياطين ومردة الجن ،وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب ،وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب ،وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ،ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار ،وذلك كل ليلة)). فإياك إياك أن تخسر تلك الفرصة العظيمة وتسوف؛ فلا تعلم من منا سيكتب الله له طول العمر، وبالذات أن تلك الليلة أسهل من غيرها في الاغتنام؛ نظراً لأن بقية الليالي يسبقها صيام يوم صيفي طويل وشاق.
1- اغسل يديك: كما نغسل أيدينا قبل الطعام تلهفاً وشوقاً وانتظاراً، يجب أن نغسل أيدينا من كل ما يعيق تلذذنا بالطاعات في رمضان. اشحذ هتك وأقبل على اختبار صدق عزيمتك بالتوبة الحقيقية والإقلاع الفوري عما أعاقك طوال الفترة السابقة عن طريق الله سبحانه وتعالى، ولا تنس أن ((من ترك شيئاً لله، عوضه الله خيراً منه))، وأن الله قد تعهد وقال: ((وإن أتاني يمشي أتيته هرولة)).

2- سامِح تسامَح، وصل توصل: إذا أردت أن يسامحك الله تعالى في رمضان فلا يفرغ أول يوم من رمضان –أو قبل ذلك- إلا وأنت مسامح كل من أساء إليك عن طيب خاطر وصبر تام على أذاه، فقد سئل ابن مسعود: ((كيف كنتم تستقبلون شهر رمضان؟))، فقال: ((ماكان أحدنا يجرؤ أن يستقبل الهلال وفي قلبه مثقال ذرة حقد على أخيه المسلم)). والأحرى من ذلك هو وصل الرحم المقطوعة التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: ((أحب الأعمال إلى الله إيمان بالله، ثم صلة الرحم، ثم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و أبغض الأعمال إلى الله الإشراك بالله ثم قطيعة الرحم))؛ فقرن صلى الله عليه وسلم بين صلة الرحم والإيمان بالله، وبين الإشراك بالله وقطيعة الرحم، وقال أيضاً: ((الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله. ومن قطعني قطعه الله)).

3- جهز مصحفك ومسواكك وأذكارك، ويفضل أن يكونوا في حجم جيبك أو متناول يديك.

4- لازم الاستغفار وداوم عليه؛ فهو خير معين لك في رحلة البحث عن العتق من النار.

5- لتكن أول القصيدة شكر: هرول باتجاه القبلة واسجد لله شكراً على نعمة تبليغك تلك اللحظة الفارقة التي تتغير فيها الأجواء من حولك. تذكر نفسك عند سماع خطاب التنحي وأنت غير مدرك لما تسع، تذكر ستر الله عليك وأنت تعصيه، وتوفيقه لك وأنت لا تستحق، استشعر نعمته عليك وقد صفد الشياطين من أجل أن يقربك منه درجة، وأن يحببك في طاعته، تذكر رد النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأله أحد الصحابة مرافقته في الجنة حين قال: ((فأعني على نفسك بكثرة السجود)). تذكر كل ذلك واسجد لله شكراً.

6- بادر بالتهنئة: وذلك لكل ن قابلته عرفت أو لم تعرف، وخصوصاً أهلك وأقربائك وجيرانك وأصدقائك.

7- انظر إلى الهلال الوليد مردداً دعاء رؤيته، قائلاً: ((اللهم أهله علينا بالأمن و الإيمان، و السلامة و الإسلام، و التوفيق لما تحب و ترضى، ربنا و ربك الله)).

8- ما لا يدرك كله لا يترك جله، فإن فاتتك صلاة التراويح الليلة فحاول أن لا تفوتك صلاة التهجد؛ حتى تحسب من القائمين الليلة، وإن لم تستطع لظروفك فحاول أن لا تفوتك صلاة الوتر في آخر الليلة قبيل صلاة الفجر وبعد أكلة السحور، وارفع يديك فيها داعياً الله أن لا يكلك إلى نفسك وأن يعينك على طاعته في هذا الشهر الكريم.

9- السحور وما أدراك ما السحور:

‌أ- وصية النبي: قال صلى الله عليه وسلم: ((تسحّروا ولو بجرعة من ماء)).

‌ب- كن متميزاً حتى وأنت صائم: قال صلى الله عليه وسلم: ((فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور)).

‌ج- البركة المفقودة: قال صلى الله عليه وسلم: ((تسحروا ، فإن في السحور بركة)).

‌د- صلاة الله وملائكته: قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله وملائكته يصلّون على المتسحّرين)).

‌هـ- الطعام المبارك: قال صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بغداء السحور؛ فإنه هو الغداء المبارك))

ويفضل تأخير السحور، كما يفضل تقديم الفطور؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة))، وقوله: ((لا يزال الدين ظاهراً ما عجّل الناس الفطر ؛ لأن اليهود والنصارى يؤخّرون))، وبعد أن تتسحر لا تنس أن تنوِ بقلبك صيام شهر رمضان إيماناً واحتساباً.
10- لا تجعل النافلة تطغى على الفريضة: فلا تجعل وجبة السحور تلهيك عن صلاة الفجر في جماعة، بل قاوم نفسك، وبكّر إلى المسجد، ومعك ثلاثي رفقاء الدرب "الصحف والسواك والأّذكار"، وصل ركعتي سنة الفجر القبلية فهي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خيرٌ من الدنيا وما فيها)).


تلك عشرة كاملة لاستقبال أول ليلة وأول يوم من رمضان. حاول أن تستشعر فيهما أخي الفاضل وأختي الفاضلة نياتكم الصالحة في كل عمل مهما كبر أو صغر لعل الله يعتق رقبتك من النار بسبب هذا العمل بالذات.ولا تنسوني من دعائكم. وإلى اللقاء في تدوينة جديدة من تدوينات رمضان. وكل عام وأنتم بخير.

تنويه: يمكنكم التأكد من صحة الأحاديث المذكورة بالأعلى من موقع الدرر السَّنية.